الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

139

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وصف من أوصاف الذوات أو المعاني أقوى فيه منه في أمثاله من نوعه ، فقد يكون مدحا كقوله تعالى : وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ [ البقرة : 45 ] ، ويكون ذما كقوله : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ [ الكهف : 5 ] ، ويستعار الكبر للمشقة والحرج ، كقوله تعالى : كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ [ الشورى : 13 ] وقوله : وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ [ الأنعام : 35 ] وكذلك هنا . والمقام مصدر ميمي مرادف للقيام . وقد استعمل هنا في معنى شأن المرء وحاله كما في قوله تعالى : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ [ الرحمن : 46 ] ، وقوله : قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً [ مريم : 73 ] أي خير حالة وشأنا . وهو استعمال من قبيل الكناية ، لأن مكان المرء ومقامه من لوازم ذاته ، وفيهما مظاهر أحواله . وخص بالذكر من أحواله فيهم تذكيره إياهم بآيات اللّه ، لأن ذلك من أهم شؤونه مع قومه ، فعطفه من عطف الخاص على العام . فمعنى : كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي سئمتم أحوالي معكم وخاصة بتذكيري بآيات اللّه . وتجهم الحق على أمثالهم شنشنة المتوغلين في الفساد المأسورين للهوى إذ تقع لديهم الدعوة إلى الإقلاع عنه والتثويب بهم إلى الرشاد موقعا مرّ المذاق من نفوسهم ، شديد الإيلام لقلوبهم ، لما في منازعة الحق نفوسهم من صولة عليها لا يستطيعون الاستخفاف بها ولا يطاوعهم هواهم على الإذعان إليها ، فيتورطون في حيرة ومنازعة نفسانية تثقل عليهم ، وتشمئز منها نفوسهم ، وتكدر عليهم صفو انسياقهم مع هواهم . وإضافة التذكير إلى ضميره من إضافة المصدر إلى فاعله . والباء في بِآياتِ اللَّهِ لتأكيد تعدية المصدر إلى مفعوله الثاني ، والمفعول الأول محذوف ، والتقدير : تذكيري إياكم . و بِآياتِ اللَّهِ مفعول ثان للتذكير . يقال : ذكرته أمرا نسيه ، فتعديته بالباء لتأكيد التعدية كقوله تعالى : وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [ إبراهيم : 5 ] ، وقول مسور بن زيادة الحارثي : أذكّر بالبقيا على من أصابني * وبقياي أني جاهد غير مؤتلي ولذلك قالوا في قوله تعالى : وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ [ المائدة : 6 ] أن الباء لتأكيد اللصوق أي لصوق الفعل بمفعوله . وآيات اللّه : دلائل فضله عليهم ، ودلائل وحدانيته ، لأنهم لما أشركوا باللّه فقد نسوا